ابن قيم الجوزية

44

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

سلطان الحجة فلم يكن لإبليس عليهم من حجة وتسلط بها غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان . الثاني : أن الله لم يجعل له عليه سلطاناً ابتداء البتة ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته ودخولهم في جملة جنده وحزبه فلم يتسلطن عليهم بقوته فإن كيده ضعيف وإنما تسلطن عليهم والمقصود أن من قصد أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه كان من عقوبته أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه . [ فصل ] الحالة الثالثة : أن يكون الحرب سجالاً ودولاً بين الجندين فتارة له وتارة عليه وتكثر نوبات الانتصار وتقل وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً . وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث سواء بسواء فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة . وهذه الأحوال الثلاث هي أحوال الناس في الصحة والمرض فمن الناس من تقاوم قوته داءه فتقهره ويكون السلطان للقوة ومنهم من يقهر داؤه قوته ويكون السلطان للداء ومنهم من الحرب بين دائه وقوته نوبا فهو متردد بين الصحة والمرض . [ فصل ] ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس ومثال الأول : كرجل صارع رجلاً شديداً فلا يقهره إلا بتعب ومشقة والثاني : كمن صارع رجلاً ضعيفاً فإِنه يصرعه بغير مشقة فهكذا تكون المصارعة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان ومن صرع جند الشيطان صرع الشيطان .